
ولدت هذه الكلمات... فجأة, كالمعتاد, لا غرابة في ذلك, و انا التي تعترضني الكثير من المواقف و المشاعر, لتختبر ردود أفعالي,
و دوماً يكون القاسم المشترك بين كل ما أواجهه, هو أنني أتفاجئ
بأبعاد موقف لم أكن أراها من قبل
أو خفايا فكرة, لم تخطر على بالي
أو صدى ذكريات ما كنت أسمعه لولا هوايتي في الإنصات لما في داخلي
في هذا الوقت من كل عام, يكون أهل الشام على موعد غرامي مع زهر النرجس,
أو ما يُسمى بالعامية: المَضْعَفْ
و انا كغيري من الناس التي لا يهنئ لها عيش, و لا تشعر بنبض الحياة و لا تملك دليل على أنها تعيش في الشام
إلا اذا اقتنت " المَضْعَفْ " دائماً, و خاصة أن فترة موسمه قصيرة جداً, فيجب ألا أحرم بصري من رؤيته و لا بيتي من عبقه و عبيره.
و منذ أيام لم أعد أرى باعة " المَضْعَفْ " في الأماكن التي كنت أقصدها كالمعتاد , ففهمت أن " المَضْعَفْ " مثله مثل كل شيئ جميل يسير إلى نهايته
و حزنت لأن عمره قصير فلم استمتع به كما يجب, و أن الصيف غدر بي دون سابق انذار .
و بالأمس فقط و بينما أسير في شوارع دمشق, وجدت نفسي وجهاً لوجه مع بائع " المَضْعَفْ " و نظرت إليه نظره و كأنه قريب عزيز عليّ
و كان مسافراً منذ مدة, فإذا به فجأة يقف أمام ناظري, و بدون مقدمات اشتريت حصتي المعتادة, و قلت له: هل انتهى موسم " المَضْعَفْ ", فقال
قد أكون أنا الوحيد الذي يبيع الان, فموسمه انتهى كل عام و انت بخير.
و مشيت فخورة بما أحمل في يدي من نصيبي من الزهور التي أعشق شكلاً و رائحة.
و استنشقت عبيرها و أنا لا أعير فرحتي لأحد, و أصبحت أمشي مزهوة بنفسي فأنا أملك ما لا يملكه غيري ممن أصادفه, و زاد غروري
و إحساسي بالفخر , عندما اقتربت مني إمرأة على استحياء و سألتني من أين اشتريت " المَضْعَفْ ", فوجدت نفسي أرشدها عن مكان وجود البائع
وهي تسمعني و نسبة تركيزها عشرة على عشرة.
كل ما سبق ذكره ليس لها علاقة مباشرة بما وجدت نفسي أكتبه
فأساس ما أريد قوله هو
هل نعلم بأن المخ الذي نحمله, يشبه إلى حد كبير جهاز الكمبيوتر؟!
فكما في الأخير " كروت تعريف " فمخنا أيضاً يملك كروت تعريف,
مع التحفظ على المقارنة شكلاً و موضوعاً بين ما هو إلهي بحت و بين ما هو صنع بواسطة الانسان.
فما كان يشغلني و أنا أسير هو :
حاسة الشم, و ما مدى سعة ذاكرة هذه الحاسة في المخ, و كمية الروائح المسجلة على الميموري كارد.
فهذه الروائح التي بمجرد أن نشمها, يكفي أن نغمض أعيننا ,
فنرى مكان و زمان و أشخاص, في زمن عَبَر و مضى, و نحن لا نزال في لحظة الحاضر!!
سبحانك يا رب
لا أملك سوى هذه العبارة
فهناك بشر تأخذ الذكريات حيزاً من مخهم و من حياتهم, و أنا منهم, فالذاكرة تتماهى مع حاسة الشم, فيكفي
أن أرى مكان ما , فيحملني إلى رائحة قديمة, فأجدني أعيش لحظة واحدة في زمنين مختلفين.
و أحياناً أشم رائحة معينة , فأجدني ذهبت إلى مكان في زمان آخر غير الذي أنا فيه.
و هنا لا بد لي من أن أذكر بعض الروائح التي لا يمكن أن تفارق عقلي و كياني, فمثلاً:
رائحة أول مطر يهطل كدليل حاسم على بداية الشتاء, فهذه الرائحة لا تكون إلا مرة واحدة في السنة.
رائحة الياسمين في أمسيات الصيف في شوارع و بيوتات الشام.
رائحة زهر النارنج و زهر الربيع و المسك, هذه الرائحة التي تفرض نفسها بقوة في كل شوارع الشام و غوطتها.
رائحة ماء الزهر في أحياء الشام القديمة حيث معامل الملبس و القضامة على سكر.
رائحة البن المنبعثة من محال بيع البن.
رائحة الحشيش " لا تفهموني غلط" أنا أقصد الحشيش الأخضر, و ليس الأبيض اللي جنبلاط بدو يحرقه,
لا ,
فأنا أقصد حشيش الحدائق الذي يقوم المسؤول عن الحديقة بقصه بآلة قص العشب, فرائحة العشب بعد قصه رائحة من أجمل ما يكون.
رائحة تفاعل الماء مع الحجارة و خاصة عند شطف البنايات.
رائحة الفتيش أيام العيد, و هناك رائحة خاصة, لمسدس كان له بَكَرَة ورقية اسطوانية الشكل و هي طلقات, عبارة عن ورق لونه أحمر
و كنا اذا تعطل المسدس, أمسكنا قطعة حجر بيد , و باليد الأخرى أمسكنا شريط الطلقات الورقي, و بدأنا نهوي بالحجر على مكان الدوائر الحمرا
فنسمع الطلقات و نشم هذه الرائحة , التي للآن لا تزال حاضرة في ذهني, و كم سررت عندما اكتشفت أن هناك نوع من انواع الكبريت عندما يتم
اشعاله يكون له نفس هذه الرائحة تماماً فأشم رائحة الطفولة.
رائحة سوق البزورية, التي أعرف أنني أسير فيه من كم العطس الذي يعتريني, من تنوع و تمازج روائح البهارات مع عبق التاريخ.
رائحة مقام سيدنا يحيى في الجامع الأموي, فبمجرد أن ألصق وجهي بأعمدة المقام المعدنية, أشم رائحة رائعة,
و لكن هناك رائحة تشبهها و تفوقها روعة , اكتشفتها عندما مسحت بكفي على جدار الكعبة المشرفة.
رائحة بعض أنواع العطور, التي بمجرد أن أشمها , أرى أمامي الشخص الذي يرتبط في ذاكرتي بهذه الرائحة.
رائحة سقاية الزرع و التراب و الأشجار و خاصة في الصيف.
رائحة أوراق امتحانات الجامعة, هذه الرائحة لا أنساها و بكل تأكيد أكرهها.
رائحة الرياح القوية في ليالي الشتاء الباردة جداً , صدقوني , إن لها رائحة مميزة, و أنا أشمها و أقسم على ذلك, كي لا تتهمونني بالجنون,
" إذا لم تتهموني به حتى الآن!!! و خاصة أن مقالي هذا رقمه 23 يعني من المستحيل أنه لم أبان على حقيقتي أمامكم حتى الآن!!!! "
و لا أنسى راااااااااااااااااائحة طبخ أمي.
و في الختام حتى يكون مسك, لا أنسى روائح ما لذ و طاب و أنت تمشي في شوراع الشام
بداية من رائحة المناقيش و ختاماً بروائح مطاعم عين الفيجة ,و بلودان التي حتى رائحة المعسل فيها لها رائحة خاصة
مع أنني ضد التدخين و المدخنين.
و في النهاية
لله الحمد من قبل و من بعد على كل ما أنعم به علينا من نِعم,
و الله يحفظ علينا الميموري كارد المسؤول عن كل بارتشنات مخنا
قولوا آمين























من مصر
أنا الآخر أعشق رائحة المطر حين تختلط قطراته بالتراب ..
على فكرة ..
حاسة الشم بالإنسان مرتبطة بشيئ إسمه
" أكوميداشن " مش عارف ترجمتها إيه بالعربي بس هو مصطلح معناه إن مثلا لما الواحد يشم رائحة عطر مثلا فلا يلبث أن تتوقف حاسة الشم عنده لهذا العطر بعدها لفترة دقائق ..
هي مثلما يأكل الفرد طعام فهو يستسيغ طعمه و حلاوة مذاقه لدقائق ثم لا يلبث أن يتحول الطعام لمجرد طعام يختفي طعمه اللذيذ و لكن حاسة الشم تضيع أسرع ..
أنا بسمع كلامك و بأزودك بالمعلومات الطبية اللازمة دائما ..
ليس فرض أن نلتزم بفكره أو لمحة لطوال الوقت ..
و لكن اكتبي ما يتبادر لذهنك دون ترتيب كما فعلتِ اليوم ..
دائما في المقدمة أنتِ بلغتكِ الشامية و فصاحتكِ اللفظية و صداقتكِ الغنية ..
شكرا لكِ ليلى
ليتني بالشام !
دمتِ